محمد جمال الدين القاسمي
76
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
بمعاملة المختبر مع المختبر ، ليعلم حاله ويجازيه ، فاستعير له الابتلاء على سبيل التمثيل ، ( ليبلوكم ) موضع ( يعاملكم ) ويصح أن يكون مجازا مرسلا ، لتلازم العلم والاختبار . أي : خلق ذلك ليعلم ، أي : ليظهر تعلق علمه الأزليّ بذلك . قال القاشانيّ : جعل غاية خلق الأشياء ظهور أعمال الناس . أي : خلقناهم لنعلم العلم التفصيليّ التابع للوجود الذي يترتب عليه الجزاء ، أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ، فإن علم اللّه قسمان : قسم يتقدم وجود الشيء في اللوح ، وقسم يتأخر وجوده في مظاهر الخلق . والبلاء الذي هو الاختبار هو هذا القسم - انتهى - . ونحو هذه الآية قوله تعالى : وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا [ ص : 27 ] ، وقوله : أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ، فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [ المؤمنون : 115 - 116 ] ، وقوله سبحانه : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] . وقوله تعالى : وَلَئِنْ قُلْتَ أي لأهل مكة إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ أي محيون مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا أي القول بالبعث ، أو القرآن المتضمن لذكره إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ أي مثله في الخديعة والبطلان . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة هود ( 11 ) : آية 8 ] وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 8 ) وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ أي جماعة من الأوقات محصورة . والعذاب هو عقاب الآخرة ، أو عذاب الدنيا ببدر ، أو هلاك المستهزئين الذين ماتوا قبل بدر لَيَقُولُنَّ أي استهزاء ما يَحْبِسُهُ أي عنا . أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ أي دار ونزل بهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي العذاب الذي كانوا به يستعجلون . لطيفة : ( الأمة ) تستعمل في الكتاب والسنة في معان متعددة . فيراد بها الأمد ، كما هنا وقوله في يوسف : وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [ يوسف : 45 ] ، والإمام المقتدى به ، كقوله : إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ [ النحل : 120 ] ، والملة والدين كآية : إِنَّا وَجَدْنا